النويري
23
نهاية الأرب في فنون الأدب
وإن شئت فأرسلني إليه بما تحبّ فأبلَّغه رسالتك ، وإن شئت دعوت ربّك أن يجعل لنا من أمرنا فرجا ومخرجا . قال : فأوحى اللَّه - عزّ وجلّ - إلى إلياس عليه السلام أنّ كلّ شئ جاؤوك به مكر وخديعة ليظفروا بك ، وأن « آجاب » إن أخبرته رسله أنّك قد لقيت هذا الرجل ولم يأت بك إليه اتّهمه وعرف أنه قد داهن في أمرك ، فلم يأمن أن يقتله ، فانطلق معه فإنّ في انطلاقك معه عذره وبراءته عند آجاب ، وإني سأشغل عنكما آجاب ، وأضاعف على ابنه البلاء حتى لا يكون له همّ غيره ، وأميته على شرّ حال ، فإذا مات فارجع عنه ولا تقم . فانطلق معهم حتى قدموا على آجاب ، فلمّا قدموا عليه شدّد اللَّه تعالى على ابنه الوجع ، وأخذه الموت ، فشغل اللَّه تعالى آجاب وأصحابه بذلك عن إلياس ، فرجع إلياس سالما إلى مكانه . فلمّا مات ابن آجاب وفرغوا منه وقلّ جزعه ، انتبه لإلياس وسأل عنه الكاتب الذي جاء به ، فقال : ليس لي به علم ، وذلك أنّه شغلني عنه موت ابنك والجزع عليه ، ولم أكن أحسبك إلَّا قد استوثقت منه . فأضرب عنه آجاب وتركه لما كان فيه من الحزن على ابنه . فلمّا طال الأمر على إلياس ملّ الكمون في الجبال والمقام بها واشتاق إلى العمران وإلى الناس فنزل من الجبل ، وانطلق حتى نزل بامرأة من بني إسرائيل ، وهى أمّ يونس ابن متّى [ ذي النون ، فاستخفى عندها ستة أشهر « 1 » ] ، ويونس يومئذ مولود يرضع ، وكانت أمّ يونس تخدمه بنفسها ، وتواسيه بذات يدها ، ولا تدّخر عنه كرامة تقدر عليها . ثم إنّ إلياس سئم ضيق البيوت بعد مقامه بالجبال وسعتها ، فأحبّ أن يلتحق بالجبال فخرج وعاد إلى مكانه ، فجزعت أمّ يونس لفراقه وأوحشها فقده ، ثم لم تلبث إلَّا يسيرا حتى مات ابنها [ يونس « 2 » ] حين فطمته ، فعظمت مصيبتها فيه ، فخرجت في طلب إلياس ، فلم تزل ترقى الجبال وتطوف [ فيها « 3 » ] حتّى عثرت عليه ووجدته ، فقالت :
--> « 1 » زيادة عن قصص الأنبياء للثعلبي . « 2 » زيادة عن قصص الأنبياء للثعلبي . « 3 » زيادة عن قصص الأنبياء للثعلبي .